الكلمة
وزنها وحملها وحقوق من يتحمل مسؤولية قولها
لماذا لا تقف مع نفسك عند باب الله دائماً، فتحاسبها قبل أن تحاسب الآخرين؟ لماذا لا تراجع ما تقول، وما تفعل، وما تتركه من أثر في حياة الناس؟ أليست الكلمة أمانة، وأليس للفظ وزن، وللموقف تبعات، وللإنسان حق في ألا يُظلم بسبب ما قال أو حمل من أفكار؟
لماذا توجد فزعة للباطل، وسرعة في نصرته والدفاع عنه، بينما حين يحضر الحق تبدأ محاولات السيطرة والإقناع والتأويل؟ لماذا يُحشد الناس أحياناً لحماية موقف لا يقوم على العدل، بينما يُترك صاحب الحق وحيداً في مواجهة الاعتراض والتشكيك؟ ولماذا لا تكون مواقفنا دائماً في مقاصد الله، حيث العدل والرحمة والإنصاف، لا حيث المصالح والأهواء؟
إنها تحمل وزناً قد لا تراه العيون، وقد تمتد آثارها إلى أبعد مما يتخيله قائلها. كلمة قد تفتح باب معرفة، وتغير تصوراً، وتوقظ ضميراً، وتمنح إنساناً أملاً. وكلمة أخرى قد تهدم سمعة، وتسلب حقاً، وتزرع خوفاً، وتغلق أبواب الرزق أمام إنسان.
فأين حقوق من يتحملون مسؤولية الكلمة؟ وأين حق أولئك الذين يضعون عقولهم وأوقاتهم وأعمارهم في سبيل قول شيء يرونه نافعاً للبشرية؟
هناك أشخاص يحملون أفكاراً، ويكتبون كلمات، ويطرحون رؤى تتجاوز مصالحهم الشخصية، ويظنون أن المعرفة حق مشترك، وأن ما ينفع الناس ينبغي أن يصل إليهم. لكنهم قد يجدون أنفسهم أمام واقع لا يحاكم الفكرة بميزانها، بل يحاكم صاحبها بحسب موقعه، أو اختلافه، أو ما قد تسببه كلمته من إزعاج لمصالح الآخرين.
قد يُفهم كلامهم على غير مقصده، وتُشوَّه أفكارهم، وتُحمّل عباراتهم معاني لم يقصدوها. وقد يتحول الاختلاف معهم إلى تضييق على أرزاقهم، أو محاولات لإهانتهم وعزلهم، وقد تتجاوز الإساءة حدود الكلام إلى التهديد والاعتداء، بل وحتى القتل.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد خلاف فكري: كيف تتحول الكلمة التي يُفترض أن تكون مجالاً للتفاهم إلى سبب لمحاربة صاحبها؟ وكيف يصبح الإنسان متهماً لأنه فكّر، أو مختلفاً لأنه قال، أو مستحقاً للإهانة لأنه لم يردد ما يريد الآخرون سماعه؟
ليس كل صاحب فكرة على صواب، وليس كل من يرفع شعار الحقيقة يمتلكها كاملة؛ فالأفكار تُناقش، والأقوال تُمحّص، والأخطاء تُصحح. لكن هل يكون الرد على الخطأ بخطأ أكبر؟ وهل يكون الاختلاف مبرراً لقطع الأرزاق أو انتهاك الكرامة أو الاعتداء على الحياة؟
إن حق الإنسان في أن يُسمع لا يعني أن تكون أفكاره فوق النقد، كما أن حق الآخرين في نقده لا يمنحهم الحق في ظلمه. وبين الأمرين مساحة واسعة اسمها العدل.
ولعلنا نحتاج إلى أن نفهم أن الكلمة مسؤولية من جهتين: مسؤولية من يطلقها، ومسؤولية من يتلقاها ويتعامل معها. فالقائل مسؤول عن صدقه ومقصده وأثر كلامه، والمتلقي مسؤول عن إنصافه وعدم تحريفه أو استخدامه سلاحاً ضد صاحبه.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾
سورة المائدة: الآية 8إنها دعوة إلى ألا يتغير ميزان العدل بسبب المحبة أو الكراهية، وألا يصبح الاختلاف سبباً في إسقاط حقوق الإنسان.
فلماذا لا نقف عند باب الله قبل أن ننطق؟ لماذا لا نسأل أنفسنا إن كانت كلماتنا تنصف أم تظلم؟ لماذا لا نمنح صاحب الفكرة حقه في أن يُفهم قبل أن نحكم عليه؟ ولماذا لا نحمي حق الإنسان في رزقه وكرامته وحياته، حتى عندما نختلف معه؟
إن البشرية لم تتقدم بالصمت وحده، بل تقدمت أيضاً بأفكار جرى طرحها ومناقشتها وتصحيحها وتطويرها. وما كان غريباً بالأمس قد يصبح معرفة مألوفة اليوم، وما كان موضع اعتراض قد يفتح باباً لفهم جديد.
ولذلك، فإن احترام الكلمة لا يعني تقديسها، بل يعني إعطاءها حقها في الفهم والنقد، واحترام الإنسان الذي يتحمل مسؤولية قولها، وعدم تحويل الخلاف معه إلى عقوبة شخصية.
فلا تجعلوا من الاختلاف جريمة، ولا من النقد عداءً، ولا من القوة وسيلة لإسكات الضعيف، ولا من الرزق أداة لمعاقبة أصحاب الرأي.
قف عند باب الله دائماً، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب غيرك.
واسألها:
هل أنصفت من اختلف معي؟ هل حفظت حق من لم يعجبني كلامه؟ هل كنت أبحث عن الحقيقة، أم كنت أبحث عما يوافق موقفي؟ وهل كنت في مقاصد الله حين امتلكت القدرة على التأثير في حياة إنسان؟
فربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الكلمات بقدر ما يحتاج إلى ضمائر تعرف قيمة الكلمات، وعقول تحترم الاختلاف، ونفوس لا تتخذ من الظلم وسيلة للدفاع عن نفسها.

0 تعليقات